عبد القاهر الجرجاني
330
دلائل الإعجاز في علم المعاني
ويقول أبو تمام : " إذن لهجاني عنه معروفه عندي " " 1 " ومتى كان " احتجّ " و " هجا " واحدا في المعنى ؟ وكذلك الحكم في جميع ما ذكرناه ، فليس يتصوّر في نفس عاقل أن يكون قول البحتري : [ من الكامل ] وأحبّ آفاق البلاد إلى الفتى * أرض ينال بها كريم المطلب " 2 " وقول المتنبي : وكلّ مكان ينبت العزّ طيّب " 3 " - سواء واعلم أن قولنا " الصّورة " ، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا ، فلمّا رأينا البينونة بين آحاد الأجناس تكون من جهة الصّورة ، فكان تبيّن إنسان من إنسان وفرس من فرس ، بخصوصيّة تكون في صورة هذا لا تكون في صورة ذاك ، وكذلك كان الأمر في المصنوعات ، فكان تبيّن خاتم من خاتم وسوار من سوار بذلك ، ثم وجدنا بين المعنى في أحد البيتين وبينه في الآخر بينونة في عقولنا وفرقا ، عبّرنا عن ذلك الفرق وتلك البينونة بأن قلنا : " للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك " . وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر ، بل هو مستعمل مشهور في كلام العلماء ، ويكفيك قول الجاحظ : " وإنما الشعر صياغة وضرب من التّصوير " .
--> ( 1 ) عجز بيت له في ديوانه ( ص 122 ) وصدره : أسربل هجر القول من لو هجوته ويروى " أألبس " بدلا من " أسربل " وهو من قصيدة يمدح فيها موسى بن إبراهيم الرافقي ويعتذر إليه مطلعها : شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي * ومحّت كما محّت وشائع من برد ( 2 ) ذكره العكبري في التبيان وهو يشرح ديوان المتنبي ( 1 / 131 ) ، في البيت الذي يقول : وكلّ امرئ يولي الجميل محبّب * وكل مكان ينبت العزّ طيّب وجاء البيت بلفظ " فتى " بدلا من " الفتى " . ( 3 ) عجز بيت في الديوان ( 2 / 232 ) وصدره : وكل امرئ يولي الجميل محبّب وهو من قصيدة له يمدح فيها سيف الدولة مطلعها : أغالب فيك الشوق والشوق أغلب * وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب والبيت في شرح التبيان للعكبري ( 1 / 131 ) ، ويولي الجميل يصنعه ويعطيه ، والمعنى : يريد أن الممدوح يوليه الجميل ويحبه فهو عنده طيب يختاره على أهله .